الغزالي

81

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

الجواب شك الإسكندر في كلمة من كلامه ، فلزمها عليه ، فقال الرسول : يا مولاي أنا سمعت هذه الكلمة منه بأذني هاتين . فأمر الإسكندر أن يكتب ذلك اللفظ بعينه ، وأنفذه على يد رسول آخر إلى دارا بن دارا ، فلمّا وصل وعرض المكتوب عليه قرأه وطلب سكينا وقطع تلك الكلمة من الكتاب وأعاده إلى الإسكندر ، وكتب إليه : إن أسّ الملك على حسن نيّة الملك وصحة طبعه ، وأساس صحّة السلطان على صحّة لفظ السفراء وصدق مقالة الرسل والأمناء ؛ لأن الرسول يقول ما قاله عن لسان الملك ، ويسمع ما يسمعه من الجواب بسمع الملك ، والآن فقد قلعت تلك الكلمة من الكتاب لأنها لم تكن من كلامي ولم أجد سبيلا إلى قطع لسان رسولك . فلمّا عاد الرسول وأعاد الجواب إلى الإسكندر استدعى الرسول وصاح عليه وقال له : ويلك ! من وضعك على إتلاف ملك من الملوك بتلك الكلمة التي تكلّمت بها ؟ فأقرّ الرسول وقال : إنه قصر في حقي وأسخطني ، فقال إسكندر : سبحان اللّه أظننت أنا أرسلناك لتصلح أمورك أو تسعى في حقوق الناس إلينا ! ؟ ثم أمر به فسلّ لسانه من قفاه . * * * فصل يجب على السلطان أنه متى وقعت رعيته في ضائقة أو حصلوا في شدّة وفاقة أن يعينهم ، لا سيّما في أوقات القحط وغلاء الأسعار حيث يعجزون عن التعيش ولا يقدرون على الاكتساب ، فينبغي حينئذ للسلطان أن يعينهم بالطعام ، ويساعدهم من خزائنه بالمال ، ولا يمكن أحدا من حشمه وخدمه وأتباعه أن يجور على رعيته ، لئلا يضعف الناس وينتقلوا إلى غير ولايته ، ويتحولوا إلى سوى مملكته ، فينكسر ارتفاع السلطان ، ويقلّ حاصل الديوان ، وتعود المنفعة على ذوي الاحتكار ، الذين يسرون بغلاء الأسعار ، ويقبّح ذكر الملك ويدعى عليه ؛ ولأجل هذا كان الملوك المتقدّمون يحذرون من هذا غاية الحذر ، ويراعون الرعايا من خزائنهم ، ويساعدونهم من ذخائرهم ودفائنهم . حكاية : يقال إنه كان رسم ملوك العجم أن يأذنوا لرعاياهم في الدخول إليهم في أيام النوروز والمهرجان ، وكان المنادي ينادي قبل ذلك بثلاثة أيام أن استعدوا لليوم الفلاني ليأخذ كل من الناس أهبته ، ويصلح أمره ويكشف قصته ، ويتيقّن حجته ، ومن كان له خصم يعلم أنه يتألم منه عند الملك طلب رضاه . فإذا كان ذلك اليوم